Nouvelle page 1 Nouvelle page 1

الصفحة الأولى | الأخبار | مركز التحميل | دليل المواقع | المنتدى | سجل الزوار | راسلنــا

   لدروبّ المروءة حكايا و بعض الكلام       ماذا عن الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية؟       بين الذاتية العربية والموضوعية الغربية       رأي في الحرب       رأي في الغياب       صلاة في محرابها       القصـة العربيـة : بين الهوية والانتماء       مسيلة والشخشوخة الثقافية....ايام الفلم الوثائقي       رمت شالها ومشت       مٌتهشمه       التاسعه مسآاءً       التَّرْحَالُ فِي الْمَجَاهِلِ       رأي في الحب       الملاحق الثقافية للصحف العربية : واقع الحال وإشكال المآل...       تَتَلَاشَى أَصْدَاؤُهُمْ       أَفِـيـقُوا       أهواك حد الجنون       عظماء الأمة بين التفخيم والتقزيم       دمشق       ساعة للفرح    
 

     القائمة الرئيسية

 
 

    

 
 

     دخول المدراء والمشرفين



المستخدم
كلمة المرور

نسيت كلمة المرور؟
تفعيل الاشتراك

لست عضوا بعد سجل معنا

 
 

     إقرأ لهؤلاء أيضا

الكاتب: الجيلاني شرادة

 القصـة العربيـة : بين الهوية والانتماء

الكاتب: ناردين دمون ( نجاة دحمون )

 نضال حمد

الكاتب: الأستاذة :حياة هـــــاد الجزائر

 الأدب الـمهجري

الكاتب: الدكتور حمام محمد

 الاسطورة بين الحكاية والرمز

الكاتب: الجيلاني شرادة

 قراءة في كتاب مؤانسات ثقافية للأديب بشير خلف

الكاتب: راضية صحراوي

 حوار مع المدون و الشاعر منير سعدي

الكاتب: حسام سلمان بركي

 زيارة فينيقي إلى شرق المتوسط

الكاتب: ناردين دمون ( نجاة دحمون )

 نضال حمد

الكاتب: الأستاذ :أحمد بجاج

 خلافاتنا ..وتحديات العولمة

الكاتب: الشاعرة:سليممة مماضوي

 لدروبّ المروءة حكايا و بعض الكلام

الكاتب: سلمى عبد الوهاب

 "لالة فاظمة نسومر في ضيافة مها (من نص مسرحي للأطفال)

الكاتب: بحليل محمد

 قطاع الشباب بخير....

 
 

     أسئلة هامة جدا

  • أخبار الجزيرة
  • شريط الاهدائات
  • الاسئله المتكرره
  • مكتبة الميديا
  • أفضل 10
  •  
     

         المتواجدون حالياً

    الضيوف : 2
    الاعضاء : 0
    الزيارات : 898499
    الزيارات اليوم : 716
    عدد الزوار كان : 3986
    في تاريخ : 11 /06 /2014

     
     

        

    إضغط أعجبني ليصلك

     جديد المجلة على صفحتك

     
     


    أصوات مجلة أدبية شاملة » المواضيع » دراسات


    الأدب الـمهجري


    التمهيد:
    يروي ميخائيل نعيمة حادثة وقعت له يومَ كان بالمهجر، وفيها يذكر أنَّه سأله بعض رفاقه الأمريكيين: مَن أشهر كُتّابهم في سورية ؟ ولما همّ بانتخاب المجلي من بين المُجلّين، لم يجد بُقعا خضرا تستوقفه النظر، وإنما وجد حياة قاحلة يابسة جرداء، ووجد نفسه كالقابض على الريح، فاعتذَر إلى السائل ولم يستطع أن يبُوح بسرّه، بل ناجى ربّه قائلا:
    ربِّ أهذه حقيقتنا ...؟ ربِّ هل نحن فقراء إلى هذا الحد ...؟ إلهي رأفة وعدلا...
    وكأنما يُريد أن يقول: لا شعراء عندنا ولا كُتّاب...فهل هذا الحُكم السريع صحيح..؟
    هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا الموطن، ولكن سأخُصّ الأدب المهجري وأدباءه و أنفرد بدراستهم على وجه الخصوص من بين ثنايا الأدب العربي عموما إن شاء الله  تعالى.
    المُقدمة:
    انطلاقا من قول الأديب المهجري جبران خليل جبران متحدثا عن مستقبل اللغة العربية :"...إنَّ خير الوسائل، بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة العربية هي في قلب الشاعر، وعلى شفتيه وبين أصابعه؛ فالشاعر هو الوسيط بين قوة الابتكار والبشر، وهو السّلك الذي ينقل ما يحدثه علم النفس إلى عالم البحث وما يقره علم الفكر إلى علم الحفظ والتدوين. الشاعر أبو اللغة وأمها، تسير حيثما يسير وتربض أينما يربض، وإذا ما قضى جلسَت على قبره باكية منتحبة حتى يمر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها. وإذا كان الشاعر أبا اللغة وأمها فالمقلد ناسج كفنها وحفّار قبرها..".
    ارتأيت أن يكون موضوع بحثي "أدب المهجر" تلك الظاهرة الفذة وما قدمته للغة العربية مازجة فيه بين المنهجين الوصفي والتاريخي التحليلي. كما أشير إلى أنه لم تعترضني أي صعوبات أثناء انجازه وقد هيكلته على الخطة التالية:
    مقدمة يليها التمهيد فالفصل ألأول بعنوان: ألأدب المهجري (عصبة أندلسية ورابطة قلمية أدبية) وينقسم إلى ثلاثة مباحث معنونة كالتالي:
    الأول الأدب المهجري، والثاني العصبة الأندلسية والثالث الرابطة الأدبية (القلمية)، ثم الفصل الثاني: شعراء المهجر الجنوبي عطاء لوجه تاريخ الآداب وعناوين رومانسية ونماذج الإبداع والتجديد مع استنباط لأهم الخصائص ويتفرع إلى ثلاثة مباحث هي كالتالي: المبحث الأول شعراء المهجر الجنوبي عطاء لوجه تاريخ الآداب والمبحث الثاني عناوين رومانسية، أما المبحث الثالث فبعنوان نماذج الإبداع والتجديد مع استنباط أهم الخصائص. وأخيرا الفصل الثالث بعنوان شعراء المهجر الشمالي والشعر الرومانسي وجبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص ويتضمن هو الآخر ثلاثة مباحث هي: أولا: شعراء المهجر المالي، ثانيا: الشعر الرومانسي، وثالثا: جبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص. ثم الخاتمة وهي عبارة عن أفكار محوصلة وملخصة لأهم عناصر وزبدة هذا البحث. أما عن المصادر والمراجع المعتمدة فهي كالتالي:
    1- جبران خليل جبران، "المواكب"، دار صادر، دار المؤلف، المركز العربي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1997.
    2- جورج طعمه، "المغتربون في أمريكا الشمالية"، د.ت.
    3- عباس محمود العقاد، "دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية"، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، د.ت.
    4- نسيب نشاوي، "مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر: الاتباعية، الرومانسية، الواقعية، الرمزية"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1984.
    وأخيرا أتقدم بالشكر الجزيل إلى الأستاذ الفاضل ولكل من أمد لي العون من قريب أو بعيد آملة أن أُساهم ولو بالقدر القليل في الإفادة والتنوير وأحب أن أختم المقدمة بهذين البيتين:
    قيمة الآداب في تأثيـرها      فـي تـجليها على كـل صعيـد.
    في تحطيها مدى الدهر إلى      سـمرات الكوخ والقصر الـمشيد.
           
    الفصل الأول: الأدب المهجري
    (عصبة أندلسية ورابطة قلمية أدبية).

     الـمبحث الأول: الأدب الـمهجري.
     الـمبحث الثاني: العصبة الأندلسية.
     الـمبحث الثالث: الرابطة الأدبية (القلمية).
     
    الـمبحث الأول: الأدب الـمهجري:
    يقول الدكتور جورج طعمه  في كتابه "المغتربون في أمريكا الشمالية" عن أدب المهجر ما يلي:
    "لا بد لي قبل الحديث عن أدب المهجر، من أن أضع هذا الأدب ضمن إطاره العمّ، في الحياة العربية الحديثة، فأنا لا أتحدّث عن أدب المهجر بصفته ظاهرة مستقلة، أو مدرسة أدبية بين المدارس الأدبية الكثيرة، إنما بصفته مظهرا من مظاهر اليقظة العربية الحديثة، وسط اتجاه معين: هو تفتح الروح العربية، منذ مطلع هذا القرن، في ثورتها على واقعها البغيض، وتطلُّعها إلى حياة مثلى.
    فالثورة العربية الكبرى، والاتجاهات الفكرية التي سبقتها ولحقتها ومختلف المذاهب الإصلاحية السياسية والدينية، وحركات التجديد الفكري والاجتماعي، وأدب المهجر بنثره وشعره، كلها مظاهر مختلفة لحركة شاملة تضمها كلها، هي حركة النهضة العربية، وقصة صراع الإنسان العربي وتطلعه إلى الآفاق الجديدة في تيار التاريخ الحديث.
    ضمن هذا الإطار الواحد الشامل، أقول عن أدب المهجر وأقصد أدب المهجرين الشمالي والجنوبي: إنه ظاهرة فذة للأسباب التاريخية التالية:
    أولا: إنك لا تجد في تاريخ أي أدب من الآداب العالمية مدرسة أدبية بكاملها تنشأ في بلاد تبعد آلاف الأميال عن بلادها وفي مجتمع لا تقل غرابته ووحشته عن بعده، وبين تقاليد تختلف جذريا عن تقاليد أرضه وبلاده، وبين قوم يتكلمون لغة لا تمت بأية صلة إلى لغته، وفي وسط له مشكلاته الخاصة به غير الأدب العربي في المهجر.
    فأنت مثلا تجد مفكرا انجليزيا يعيش في ألمانيا أو روائيا روسيا يعيش في أوروبا، أما أن تجد مدرسة أدبية بكاملها تنشأ في تربة غريبة كما نشأ أدب المهجر، ومشكلاته هي مشكلات الوطن الأم، ومصادر وحيه منها، ويؤثّر إنتاجه في أدب بلاده الأصلية، كما أثّر أدب المهجر في أدب هذه البلاد فهذه ظاهرة فريدة في تاريخ الآداب العالمية، فأدب المهجر عربي بروحه عربي بلغته عربي بالمشكلات التي يُثيرها، عربي بآلامه وحنينه وأشواقه.
    خُذ أيّ ديوان من دواوين شعراء المهجر، أو أيّ كتاب من كتبهم، فلا ريب أنك واجد فيه، من غير انتقاء أو استثناء تفتُّح الروح العربية الجديدة وصراعها في المعترك الحضاري، وشعورها بأنها وريثة حضارة عريقة شاركت في التاريخ الإنساني. ويبدو هذا الأدب برمتّه، كأنه زفرة طويلة لهذه الروح العربية المغتربة البعيدة كُلّ البُعد عن أرضها وتُربتها، ولكنها مع ذلك ما تزال ملتصقة بها، تقف على حدود عالمين: الشرق والغرب، وعلى تخوم حضارتين تُفسِّر الواحدة للأخرى، من غير أن تكون في النهاية جزءا عضويا من أي منهما، وهو موقف نفسي لا يخلو من قسوة، ولا تخلو من قلق كاف بذاته لأن يكون سببا لأزمة لاهبة.
    ومن هنا كان هذا الأدب في قسم كبير منه، إن لم يكن كله، قصة زفرة طويلة كأن الروح العربية التي أثقلتها الـمِحن، خلال قرون طويلة قد وجدت فيه متنفسا.
    فالوحدة العربية ومحاربة الإقليمية البغيضة والطائفية والتعصب الديني والوطنية العميقة التي تفصح عن ذاتها بالحنين العذب إلى الوطن، والحماسة للثورات العربية الدامية في كل قطر عربي مكافح من أجل الحرية – كل ذلك وأكثر منه – كان مصدر وحيٍ لأدباء المهجر حتى امتلأت به دواوينهم وكتبهم، لا فرق في ذلك بين أن يكون الشاعر أو الكاتب من أصل لبناني أو سوري.
    ولذلك كان من الصعوبة بما كان أن نستشهد بنثر أو شعر مهجري للتدليل على هذه الاتجاهات، إن معظم ما فيها يصلح لأن تستفيد منه الأجيال العربية.
    ثانيا: إن الأدب أدب صادق، نشأ وترعرع في جو واقعي من الحرمان، تحت أثقال من البؤس والشقاء فوراء حياة كل أديب من أدباء المهجر قصة مفجعة من العياء والإرهاق. أضف إلى ذلك أن طبيعة الحياة الأمريكية طبيعة معقدة صعبة. وهي لقسوتها تضطر المرء أن يقف أمام قدره يُصارع الكون، ففي مدينة كبيرة كنيويورك مثلا المدينة التي عاش فيها عدد كبير من أدباء المهجر الشمالي، يستطيع المرء أن يفقه هذا النوع من الحياة الصلبة القاسية، هنا تجد تدفقا من المخلوقات البشرية تندفع متراصة مزدحمة، لا تتيح للمرء أن يقف أمام وجه يعرفه، أو يلتفت يُمنة أو يسارا هنا تذوب إنسانية الإنسان ليتحول إلى رقم مجرد رقم الشارع الذي يقيم فيه، والغرفة التي يقطنها، وصوت الهاتف الذي قلما يُقرع ليحمل صوت رفيق أو صديق.
    هنا في قلب هذه الإنسانية الصاخبة التي تفرض على الإنسان عزلة روحية قاسية فيندفع الشوق في النفس والحنين إلى العالم البعيد والرؤى التي فيها أشباح الراحة والصداقة والمحبة...
    هنا يلتفت أديب المهجر وسط ظلامه وآلامه إلى بلاده الأولى سوريا ولبنان التي عرفها في حياته إلى الأمل إلى أشياء الحياة اليسيرة، إلى الجار يُحدّث جاره إلى الأودية والغدران إلى المراعي الباسمة في الربيع إلى جميع هذه الأمور التي نحسبها لا قيمة لها في الحياة، والتي تكتسب في الحقيقة قيمتها في عالم خال منها، يذكر أبو ماضي وطنه فيُنشد:
    قَالَتْ أَيَنْسَى النًّازِحُونَ بِلاَدَهُمْ
                                مَا هَاجَ حُزْنُ القَلْبِ غَيْرَ سُؤَالِهَا
    الأَرْضُ، سُوريَا أَحَبُّ رُبُوعِهَا
                                عِنْدِي، و َلُبْنَـانُ أَعَزُّ جِبَالِهَـا
    والنَّاسُ، أَكْرَمُهُم عَلَيَّ عَشٍيرُهَا
                              رُوحِي الفِداءُ برهَطِـهَا  ولِآلِهَا
    ويقول أيضا:
    وَطَنِي سَتَبْقَى الأَرْضَ عِندِي كُلَّهَا
                                حَتَّى أَعُـودَ إلَيْكَ أَرْضَ التِّيهِ
    سَأَلُوا الجَمَالَ فَقَالَ: هَذَا هَيْكَلِي
                              والشِّعْرَ، قَالَ: بَنَيْتُ عَرْشِي فِيهِ
    وأقول أخيرا عن أدب المهجر إنه ظاهرة فذة؛ لأنه أدب ثوري وفكري وهو أدب ثوري أولي في مبناه؛ لأننا لو تذكرنا أن معظم هذا الأدب ظهر خلال الربع الأول من هذا القرن، وبعده بقليل حين كان الأدب العربي مازال يعيش على القديم يصف المآدب ويقدم التهاني والتعازي ويتسكّع على أبواب الوُلاّة والحُكّام لوجدنا أي فارق يفرّق هذا الأدب عن أدب المهجر.
    وهو ثوري بمادته والروح التي تغذيه فأدباء المهجر كانوا بين أول من دعوا دعوة صريحة إلى تحقيق الحق والخير والأمل في مجتمع لا يعرف أثرا لهذه القيم، وهو ثورة جامحة جارفة في تطلعاته ورؤاه.
    وأدب المهجر في أعلى مراحله وآخرها أدب فكري، إذا سلّمنا أن الأدب ردُّ فعل على العالم الخارجي، أولى مراحله حسية عاطفية ثم يرتفع منها إلى المرحلة الفكرية حين يسيطر على التأثرات الشخصية ويوجهها. هنا يتسامى الأديب إلى عالم الفكر الهادئ العميق الذي يوافق مرحلة النضج في الحياة.



                                          الـمبحث الثاني: العصبة الأندلسية :
    انبثقت عن الشاعر المهجري "شكر الله الجر" فكرة جمع الأدباء في البرازيل وتوحيد جهودهم فتألفت "العصبة الأندلسية" في "سان باولو" عام 1933. وعُقد الاجتماع التأسيسي الأول في دار "ميشال معلوف" ورأسُوه عليهم، وأجمعوا على أن تكون مجلة "الأندلس الجديدة" مبدئيا لسان حالهم، وبعد عام صدرت مجلة "العصبة" 1935 ولم تكن الأهواء متّحدة كما كانت في "الرابطة القلمية"، وبعد وفاة رئيسها خَلَفه الشاعر القروي "رشيد سليم الخوري" ومن بعده "شفيق معلوف" الذي بقي فيها حتى تشتَّت شملها، وكان من أعضائها البارزين "ميشال معلوف" الرئيس و"داود شكور" نائبه و"نظير زيتون" أمين السر و"يوسف البعيني" أمين الصندوق و"جورج حسون معلوف" خطيب العصبة، ثم "رشيد سليم الخوري" وأخوه"قيصر سليم الخوري" و"الياس فرحات" و"شكر الله الجر" و"نصر سمعان" و"رياض معلوف" و"نعمة قازان" و"شفيق معلوف" و"عقل الجو" و"جبران سعاده" و"حسني غراب" و"حبيب مسعود" و"توفيق قربان" و"يوسف أسد غانم" و"توفيق ضعون"... وغيرهم.
    كان هؤلاء الأعضاء في "العصبة الأندلسية" متفاوتين في ثقافتهم فـ"شفيق معلوف" وأخوه كانا الوحيدان الذين يُـتْقِنَان لغة أجنبية، أَمَّا الباقون ففريق منهم كما يقول "جورج صيدح": "أَلَمَّ الماما سطحيا باللغة المتداولة في الشارع، وفريق آخر أبى على نفسه ألاَّ ينطق إلا بالفصحى وبعضهم كان لا يحسن القراءة وقواعد اللغة كـالياس فرحات، ولكنهم تلافوا بالدراسة والتحصيل الفردي ما ينقصهم"...ودامت العصبة ثلاثة عشر عاما.
    بقيت "الرابطة القلمية" مزدهرة تؤدي رسالتها على خير وجه حتى كانت سنة 1931 حينما توفي عميدها "جبران" وبدأت حبّات عقدها بالانتثار؛ إذ عاد "ميخائيل نعيمة" إلى وطنه لبنان وتفرَّق أعضاؤها الواحد تلو الآخر.
    أما الأدب العربي في البرازيل، فكان خلال سنوات الحرب العالمية ألأولى وما بعدها في أوج ازدهاره على يد أفراد من الأدباء والشعراء الذين كان يُحفِّزُهم على الإنتاج أحداث أُمّتهم العربية أولا، وأحداث العالم كله...والذين تجمَّعوا في العصبة الأندلسية ولم يصلنا دستور هذه العصبة الأدبية مقنّنا محددا كما كانت الحال في الرابطة القلمية بنيويورك. ولكن أعضاءها أخذوا على أنفسهم أن يناضلوا في سبيل الأدب من حيث هو فنٌّ وتركوا لكل واحد اختيار السبيل الذي يتفق مع مزاجه وطبيعة إنتاجه، وأجمعوا على ترسم أساليب العربية الفصحى والتقيد بأحكامها ما وسعهم، لكن أبرز أهدافها يتضح في مبدأ المطابقة برفع مستوى العقلية العربية ونقض التقاليد التي تنافي العصر وتؤدي إلى الجمود الفكري الأدبي.







                              المبحث الثالث: الرابطة الأدبية  (القلمية):
    دعا "وليم صعب" إلى تأليف "الرابطة الأدبية" في "بونس آيرس" لتجمع شمل الأدباء بالأرجنتين، وعمل "جورج صيدح" الذي استقر في مطلع عام 1949 إلى إبراز هذا المشروع وتجمّع الأدباء في منزله عام 1949 وكان من أبرز المجتمعين: "وليم صعب و الياس قنصل وزكي قنصل وكميل شمعون والياس غريب" وفي الجلسات التالية جعلوا قانونها "ما يمليه الضمير الحيّ والغيرة على الأدب" وتولّى "صيدح" جميع أعماله – غير أنه – ما لبثت أن تناولتها عوامل كثيرة فانحلت بعد عام من إنشائها.
    النهضة الأدبية العربية في المهجر الجنوبي التي وُلِدت في "سان باولو" بالبرازيل والتي توضحت على أبرز ما يكون في "العصبة الأندلسية" ونمت وترعرعت وأصبحت راسخة الجذور ممتدة الفروع، ما لبثت أن امتدت فوصلت إلى "بونس آيرس" بالأرجنتين؛ حيث ألفت "الرابطة الأدبية" فكان لها أثر حسن في تدعيم أركان الأدب العربي هناك ولو إلى عهد قصير من الزمن، وترى الدكتورة "عزيزة مريدن" أن الحنين الرومانسي يستغرق القسم الأكبر من الحنين إلى الأوطان عند شعراء المهجر الجنوبي، سواء من ناحية التعبير عن علاقاتهم الإنسانية التي تربطهم بأرض الوطن من أم وطفولة وحبيبة، أو التعبير عن علاقاتهم الزمانية والمكانية من منزل وقرية وما فيهما من أواصر تربطهم بهما وبأجوائهم الطبيعية في مختلف الظروف والأوقات، وقد دُرس هذا الحنين دراسة عميقة بُيّنت فيها الرومانسية الطاغية على أسلوب التعبير والمضمون؛ من حيث مناجاة الطبيعة كالنسيم والبحر ورائحة التربة وأشجارها وغربة نفسية ومكانية ورّثت القلب حُزنا وهُياما والشكوى والأنين وضيق بالغص


    الفصل الثاني: شعراء المهجر الجنوبي: عطاء لوجه تاريخ الآداب وعناوين رومانسية ونماذج الإبداع والتجديد مع استنباط أهم الخصائص.

     الـمبحث الأول: شعراء المهجر الجنوبي: عطاء لوجه تاريخ الآداب.
     الـمبحث الثاني: عناوين رومانسية.
     الـمبحث الثالث: نماذج الإبداع والتجديد  (جورج صيدح وزكي قنصل) مع استنباط أهم الخصائص.

    الـمبحث الأول: شعراء المهجر الجنوبي عطاء لوجه تاريخ الآداب:
    بذل شعراء المهجر الجنوبي جهودهم لتقديم الأدب الحي، وأضافوا إلى تاريخ الحضارة الحديثة أنماطا من الأحاسيس الإنسانية الرفيعة تُغني تجارب الإنسان في حياته العامة والخاصة. وكانت لهم نزعاتهم الإنسانية والقومية والتأملية والواقعية ورحلاتهم الخيالية إلى عوامل فوق الأرض وتحتها، وبذلك رفدوا التاريخ الأدبي العربي بفنون جديدة كان في أشد الحاجة إليها لصنع نهضته الأدبية القادمة.
    فالمهاجر بطبيعته إنسان طليق مقدام، ليس يُطيق البقاء حيث يضيق به المقام، ولا يهاب المخاطرة بالإقدام على المجهول إذا كان "المعلوم" الذي يعرفه ويعيش فيه يكلفه ما هو أشد عليه من المخاطرة وهو الصبر على الحجْر والهوان.
    والمهاجرون إلى الجنوب في أمريكا الجنوبية أحوج إلى هذه الخصلة من إخوانهم الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية؛ لأن المهاجر إلى ولايات الشمال من العالم الجديد ينزل بأرض ممهدة ويقدم على خطط مرسومة معبدة، ويكاد يعرف كل ما سيصيبه في هجرته قبل فراقه وطنه، فلا يبقى بين يديه غير التجربة التي لا اقتحام فيها. وعلى خلاف ذلك مهاجر الجنوب.
    إنه ليجدد "نصف مجازفة" كولومبوس بعد نزوله بدار الهجرة، وإنه ليصنع لنفسه من جديد كل ما صنعه المقتحمون من حوله ولو كانوا من أبناء القارة الأصلاء، وانه باسم المكتشف لأحرى منه باسم المهاجر الغريب، وهكذا كل ما حوله من الغرباء وغير الغرباء.
    و هو على هذه الحالة أحوج من سائر المهاجرين إلى العلاقة الروحية بكل ما فارقه في دار مولده أو دار نشأته الأولى.
    وماذا فارق في ذلك المولد؟ أو في ذلك المنشأ؟
    إننا إذا استقصينا وحاولنا أن نجمعه في علاقة واحدة لم نجد في النهاية غير علاقة اللغة وتراث اللغة بمبناها ومعناها.
    فإنه لم يُفارق من أجواء بلاده الروحية جوّ العقيدة الدينية؛ لأن أكثر المهاجرين من المؤمنين بالدين المسيحي يتبعون الكنائس التي يتبعها أبناء القارة الجنوبية.
    وإنه لم يُفارق أجواء الطبيعة ومناظرها؛ فإننا إذا أغضينا النظر عن ولع الإنسان بمناظر بلاده كيفما كانت، لم نكد نفقد في أقاليم القارة الجنوبية لوحة من لوحات الطبيعة نتملاها في لبنان وسوربة، بين الهضاب والآجام، أو بين الجداول والينابيع، أو بين البراري والسهول أو بين مواسم الغيوث ومواسم الصَّحو والصفاء.
    وإنما فارق المهاجر العربي إلى الجنوب جوا واحدا من أجواء بلاده الروحية ينقطع عنه حين يتصل به المقام في وطنه الجديد، ولا سيما في عصر البحث عن الجامعات الروحية في كل اتجاه.
    إنما فارق اللغة، وإنما فارقَها وليس لديه أعز منها ولا أحق منها بالحنين والتذكار.
    لا جرم تصبح هذه العلاقة عنده "عصبية" متوهجة تطوى في ثناياها كل ما عداها من عصبيات وعلاقات، ويوشك أن تنقل إليها حماسة الدين وألفة الطبيعة وحدّة النخوة الوطنية، ويهون المساس بكل شيء، ولا يهون المساس بهذه البقية الباقية من أمانة القلب واللسان.
    إن هذه العصبية قد أوشكت أن تكون "أسلوبا مشتركا" بين جميع المهاجرين لا يعرفون من أساليب اللغة أسلوبا غيره، فكلهم مظهر "لغوي" واحد من تلك العصبية الشاملة، وكلهم "متكلم" عربي قبل كل شيء، ثم هو "فلان بن فلان" بعد ذلك.
    ولقد أطلق أدباء المهجر الجنوبي على أنفسهم "العصبة ألأندلسية" بحق ودِراية؛ لأن الأندلس القديمة هي النسخة الوحيدة التي سبقت نسخة العصبة الأندلسية الجديدة في تاريخ اللغة العربية على هذا الطراز.
    ففي الأندلس وحدَها – قبل الآن – عرفنا من كِبَار الشعراء كـابن هانئ وابن زيدون وابن خفاجة وابن حمديس، كما عرفنا فيهم عشرات من هذه الطبقة، ولكننا نعرف بينهم على فحولتهم فارقا في أسلوب التعبير ولا في جرس اللغة يتيَسَّر للقارئ أن يلمَحَه من النظرة الأولى. فليس بينهم ذلك الفارق الذي تلمحه في عصر واحد بين أساليب "أبي تمام والبحتري وابن الرومي" أو بين أساليب "بشار وأبي العتاهية وأبي نواس"، أو بين "البارودي وصبري وشوقي وحافظ ومطران" في العصر الحديث.
    كلا! ليس هناك ألسنة أفراد يختلفون، بل ليس هناك غير لسان القومية الواحدة ينطق ببديهة واحدة ولا يسمح "للشخصية" على قوتها أن تتغلب عليه بسمة من سماتها المستقلة، و إن كانت "الشخصية الفذة" لتُنصف به الشخصيات القوية من مزايا الأخلاق والضمائر وأسرار البدائع والعبقريات.
    ولقد تميز "ابن زيدون وابن حمديس وابن خفاجة" بالشيء الكثير من خصائص الفكر والذوق والإلهام.
    وهكذا يتميز شعراء المهجر الجنوبيين بجُملة من مزايا الفن والذوق والبصيرة تُحيط بآفاق من الشعر الجـَـيِّد الأصيل، لا تَقِلُّ عن تلك الآفاق التي سبح فيها أسلافهم الأندلسيون الأوَّلُون.
    يكاد أسلوب النَّظم أن يكون أسلوب شاعر واحد في فترة واحدة من الزمن، ولكنك تُتَرجمهم إلى لغة أخرى، أو تقرؤهم بلسان المعنى دون لسان اللفظ، فلا تخطئ بينهم تلك الفوارق التي تفصل بين عشرات من الشعراء بملامح الفكر والسَّليقة.
    ففي ديوان الشاعر "القروي" ملامح من صور الطبيعة تغلب على صور البيت وصور المجتمع، ولا يبدو فيها البيت ولا المجتمع إلاَّ كما تبدو فصيلة من الأحياء يُسمون بالآدميين، ثم لا تعرف لهم قانونا ولا شريعة غير قانون الفِردوس على المحبة، أو قانون الغاب على البغضاء والعدوان، وكلاهما قانون زرع وماء وحياة.
    وفي دواوين "الياس فرحات" يظهر آدم من وراء ذلك الفردوس ولكنه آدم الذي عرف إبليس لعبة بعد لعبة، فتَعَلَّم منه السُّخرية الضَّاحكة، ثم جرد تلك السخرية من أشواك الكيد والخبث، ومن عواقب الندم والحسرة.
    وفي "شفيق معلوف" "عبقر" تمتد الهجرة من عالم الإنس إلى وادي الجن، ومن جوف الواقع إلى أطراف الخيال، وتقترب العدوة بين هذه البحور المتباعدة حتى لينسى نزيل "عبقر" .
    أين هو من رحلات البرّ والبحر...و يُخيَّل إليه في لحظة بعد لحظة أنه لم يبرح "رحلة بـلبنان أو سان باولو بالبرازيل" ويُوشك "المعلوفون" أن يكونوا جميعا إخوة في لحمة الأدب كأُخوّتهم في لحمة النسب، بين يدي "سليمان" وهو يحبس الجن في القماقم أن ينطلق على "بساط الريح".
    وتقرأ "جورج صيدح" فلا تفُوتك فيه أشواق الطبيعة التي تعهدها في دواوين زُملائه، ولكنك لا تتمثَّله في صورة من الصور إلا رأيت في ظهارة الصورة أبراج المدينة ومداخن المصنع ومعالم الأسوار.
    ومعظم الشعراء من المهجرين آباء وأزواج، ولكنك لا تتمثل "القنصلين" الياس وزكي إلا تمثلت زوجا يمشي مع زوجته، ووالدا يحنو على طفل في يمينه أو بين ذراعيه.
    وتتراءى ألوان من هذه الملامح في كثير من شعراء "العصبة الأندلسية" لا نحصيهم هنا ولا تتيسر لنا مراجعتهم في هذا المقام، ولكنهم جميعا يتلاقون في تمثال واحد شامخ الهامة مكين القدمين، نُسمّيه تمثال "العصبية اللغوية" أو القومية التي تلخّصت في كلمة واحدة هي كلمة العربية ونهضت برسالة في تاريخ الأدب العربي لا تشبهها رسالة أخرى في جميع أدوار هذا التاريخ.
    ونحسب أن مدرسة "العصبة الأندلسية" تتفرد بهذه الخاصة التي تعدّ من النقائض للوهلة الأولى، ثم يزول عنها كل وصف من أوصاف التناقض متى رجعنا إلى القوة الخارقة التي اجتمعت في حنين المهجريين الجنوبيين إلى اللغة، فصنعت ما تصنعه القوة الخارقة من المعجزات.
    تلك الخاصة التي انفردت بها "العصبة الأندلسية" هي فرط المحافظة وفرط التجديد في وقت واحد.
    فالمهجريُّون الجنوبيون لم يقبلوا قطّ دعوةً من دعوات باسم التجديد في قواعد اللغة أو قواعد العروض أو قواعد الآداب السلفية في جملتها، وقد أعرضوا عن كل دعوة من هذا القبيل وساعدهم على الإعراض عنها، أنها جاءت من مبدئها ضعيفة هزيلة لا تُقنع أحدا بالإصغاء إليها، فكان الدّاعون إلى إهمال قواعد العروض أو قواعد النحو أصحاب مذهب قديم. ليس أقدم منه ولا أسهل منه على الجاهل والعاجز ومن لا يُحسن الأداء بالكلام الموزون أو الكلام المنثور ولا التعبير باللهجة الفصحى أو اللهجة العامية، وذلك المذهب القديم العتيق هو العجز عن الفصاحة والقدرة على الركاكة، أو العجز عن الصواب والقدرة على الخطأ وليس هذا مذهبا يُقنع أحدا بالتجديد أو بترك القديم، لأنه هو بذاته أقدم من أقدم الأقدمين.
    وعلى هذه المحافظة في وجه كل دعوة من دعوات الهدم أثبت المهجريون الجنوبيون أنهم أقدر من المجددين المزعومين على استخدام أوزان الموشح وأوزان الرباعية والمقطوعة في ضروب النظم الغنائي وضروب النظم الملحمية على اختلاف الموضوعات.
    وقد ذهب المهجريون المحافظون أشواطا وراء أشواط المجددين المزعومين، فليس هؤلاء المحافظين من لم يكن له مذهب مستقل في العقيدة الإلهية أو السماحة الدينية، وليس منهم من أحجم عن رأي حديث من آراء العلم الاجتماعي جمودا على القديم وإشفاقا من تكاليف الحرية الفكرية، بل كان منهم أناس تطرفوا في إتباع هذه الآراء عند ظهورها وذهبوا معها إلى غاية مداها، ولم يعدلوا عنها متقيدين بقيود المحافظة العمياء، بل عدلوا عنها لأنهم عرفوها وحقّقُوها خيرا من معرفة الجامدين عليها والمتعصبين لها، جريا على سنن التقليد والمحاكاة.
    وإذا وقف الفريقان معا موقف المناجزة بالحرية والقدرة، فلن يستطيع المجددون المزعومون أن يتهموا أشد المحافظين حفاظا على عقيدته بالتخلف في ميدان الحرية والإقدام على سلطة مرهوبة في وطنه الأصيل أو وطنه الحديث، ولكن المحافظ "المزعزم" يستطيع بغير مشقة أن يُنكر عليه حرية السماحة الفكرية كما يستطيع أن ينكر عليه قدرته على تصحيح الأسلوب ويُسجل عليه خلو الجديد الذي يدعو إليه من كل قدرة يحاولها من يريد.
    وهذه الخاصة "المنفردة" في تاريخ الآداب العربية يتميز "الأدب المهجري" في "الجنوب"، وينفرد المحافظون من شعرائهم بهذه الشخصية الشاملة التي انطوت فيها جميع الشخصيات بين أضواء العبقرية القديمة، والتي برزت من ورائها ألوان من ملامح الروح والسليقة يعتز بها طُلاّب الثورة الأدبية في كل العهود.








                                          الـمبحث الثاني: عناوين رومانسية:
    كان أسلوبهم  رومانسيا في معظم الأحوال تدل عليه عناوين دواوينهم الشعرية فــ"جورج صيدح" يُسمّي ديوانه الأول "النوافل" (1947) و"النبضات" (1953) و"حكاية مغترب" (1957 و1960) وشكر الله الجر سمى ديوانه "زنابق الفجر" (1945) وكان قد سـمّى ديوانه الأول "الروافد" (1934) وكلاهما من الشعر العاطفي وله "أغاني الليل"، "الشاعر القروي" و"رشيد سليم الخوري" اتخذ من عناوين قصائده أسماء صارخة تعبر عن نزعته الرومانسية وقد نشرت آثاره في البرازيل (1953) في نحو ألف صفحة في "ديوان القروي" الذي قُسّم على أبواب  فهناك: "البواكير والأعاصير والزمازم والمحافل والمجالس وزوايا الشباب والموجات القصيرة والأزاهير"، أما "جورج كعدي" فكان يُسمّي نفسه بأسماء رومانسية وذلك عندما يُوقّع بتواقيع مستعارة مثل: "الشاعر المتألم" و"شاعر منيف" و"البدوي التائه" ، و"الياس فرحات" سمّى ديوانه الأول "الرباعيات" (1925) والثاني باسمه "ديوان فرحات" (1932) ثم "الربيع" (1945) و"أحلام الراعي" (1953) و"فواكه رجعية" و"عودة الغائب" حتى أنهم اتخذوا من أسماء مجلاتهم وصحفهم أسماء رومانسية أيضا فأول صحيفة عربية في الولايات المتحدة سميت باسم "كواكب أمريكا".





        الـمبحث الثالث: نماذج الإبداع والتجديد [ جورج صيدح وزكي قنصل] مع استنباط أهم الخصائص.
    أولا: جورج صيدح (1893 - 1978) واللقاء الحميم بين الإتباع والإبداع:
    1- لقاء التجديد والتقليد:
    يُمثل جورج صيدح في شعره الوحدة التأليفية بين قوة الشعر التقليدي وجمال الشعر التجديدي، وتبدو الرومانسية فيه متشحة بأثواب حية. ففي شعره غنائية عذبة وعواطف ذاتية صادقة وصور إبداعية متخيلة. وفيه أيضا الأسلوب العربي الناصع الذي يُذكرنا بالشعر القديم وقصيدة "وردة المستنقع"  تمثل هذا الاتجاه؛ ففيها روح يقظة، وإبداعات خيالية ترسم مشهدا للأدباء العرب المهاجرين على صورة وردة عصفت بها رياح عاتية...وطرحتها على طرف مستنقع آسن، وظلت أسيرة له. وهي صورة المهاجر المعذّب الذي صرفته النوى في بيئة غريبة عن نضارة أرضه. ومن هنا جاءت حكايات الألم وأغاني الشعر.
    2- ظاهرة الحزن وحكايات الألم:
    وفي شعره صرخات ألم حارقة، تُثيرها نوازع الحنين إلى الأوطان والتجارب الخاصة، ويصور ديوانه "حكاية مغترب" قصص الهم المحمول على الجبين...في نبرة غنائية طافحة بالمواجد الذاتية، وفيه غربة لا تأخذ أبعادا مكانية فحسب، وإنما تتحل فيها مستويات الغربة الروحية والفكرية. ففي الغربة يفتقد غذاءه الروحي الذي كان يطعمه في الشرق، ولا تستطيع السياحة أن تسلو آلام هذا الجوع. ولكن أشعاره الغنائية استطاعت احتواء هذه الانفعالات الوجدانية في ساعات الوحدة والعسر وامتصاصها، يقول "إيليا أبو ماضي" في مقدمة إحدى قصائده الباكية: "إنَّ قوافيها تكاد تتطاير شواظا يحرق أهل الظلم والبغي، ويكاد القارئ يلمس وراء كل صورة مأساة وجيعة" وفيها يقول:
                    إِنْ رَأَيْتَ الـحَقَّ يَـخْشَى بَاطِلاً
                                              وَ سَمِعْتَ الحَمْدَ لِلْجُورِ الـمُشِين
                فَاهْجُـرِ الدَّارَ وَجَانِبْ أَهْلَهَا
                                        لاَ يُقِيمُ الـحُرُّ بَيْنَ الخَائِفِين
    3- الحنين الرومانسي إلى الأوطان:
    واشتهر صيدح بقصائد الحنين المحموم إلى الوطن وقد حفظها له الناس. وتبدو في ديوانه شجية النغمة كثيرة النجوى، وفيها بث وشوق وتصوير بديع للطبيعة الصافية في الوطن من شواطئ وأنهار وبساتين وأطيار، بعبارات رومانسية حالمة وقد تناقلت الألسن قصيدته "وطني" التي يقول فيها:
    وَطَنِي أَيْنَ أَنَا مِمَّا أَوَدُّ
    أَوْ مَا لِلْحَظِّ بَعْدَ الجَزْرِ مَدُّ
     
    غَابَ خَلْفَ البَحْرِ عَنِّي شَاطِئي
    كُلُّ مَا أَرَّقَنِي فِيهِ رَقْدُ
     
    فِيهِ سَلْمَى فيه جنات الهوى
    فيه سِرْبُ الطَّيْرِ يدعو مَن شَرَد
     
    فيه مُرُّ العَيْشِ يَحْلُو وأرَى
    في سواه زُبْدَةَ العَيْشِ زَبَدُ
     
    وَطَنِي مازِلْتُ أدعوك أبي
    وجِرَاحُ اليَتِيم في قلبِ الوَلَد
     
    هَلْ دَرَى الدَّهْرُ الذي فَرَّقَنَا
    أنَّه فَرَّقَ رُوحًا عَنْ جَسَد
     
    وكثيرا ما تظهر مناجاة الله في خطاب عاطفي...مؤثر...يدعةه بالتلطف وردّ المهاجر من غربته، وقصيدته "يا رب هوِّنها" 1944 تُمثّل هذا الاتجاه:
    أيعود للوطن الغريب النَّائي
    يَارَبِّ هَوِّنْهَا على الغُرَبَاء
     
    حَتَّى متى يَبرِي الَحنِينُ صُدُورَهُم
    والعَامُ يتلُو العامَ دُونَ لِقَاء
     
    4- وطنيات بعد الثمانين:
    وهو في وطنياته أكثر تزمتا وتعصبا ووفاء للشعر الكلاسيكي العربي. ولعل أكثر شعره الوطني جاء والشاعر يناهز الثمانين. ويحسن الرجوع إلى قصيدته "معلّلتي" عام 1971 لموازنتها مع قصيدة "أبي فراس" "أراك عصي الدمع شِيمتك الصبر" والى مجموعة "أرماق" وفيها قصيدة "1973 عام البكاء على الشهداء" و"غارات إسرائيل" و"الجنوب المصلوب في ساحة الشرف" عام 1973، و"شظايا نيسان بين صبا نجد وزعزع لبنان" وقد رفع الأخيرة إلى الملك فيصل بن سعود حين جاء ضيفا على باريس وكأنما كشف له أبعاد المستقبل حين دعاه للاحتراز من العدو بقوله:
    (فَيْصَل) يا زين المُلوكِ احْتَرِزْ
    من أَرْقمِ هناك بالشهد
     
    5- حرب على فوضى التجديد:
    ومع أن صُوَرَهُ ومواجِدَه العاطفية اكتست طابعا رومانسيا، إلاَّ أنه كان ينظُر من طرف آخر إلى فوضى الدعوة التجديدية في هذا العصر الحديدي الذي ينفلت منه الشعراء إلى عوالم غائمة يُحيطونها بسراب الرموز المستوردة من الغرب. فهو لا يفهم معنى هذه الألفاظ الشاردة وذلك الجرس الهائم حول معان مستغلقة. وعبرت قصيدته "طائرات الشعر" بيروت 1955 عن اتجاهه هذا وفيها يحدد رأيه بالشعر:
    قيمة الآداب في تأثيرها
    في تجليها على كل صعيد
     
    في تخطيها مدى الدهر إلى
    سمراتِ الكوخ والقصر المشيَّد
     
    أين منها أدب مستحدث
    من سراب الفكر في اللَّفظ الشُّرُود
     
    بربري الجرس، غربي الرؤى
    أعجمي الروح، وحشي البرود
     
    يحمل الـمِجهر من يقرؤه
    ليرى جرحهم معنى في ضديد
     
    هل أنتم شعراء؟
    وتهكم بالشعراء المعاصرين وسخر مِنْ أدبهم على نحو لاذع قائلا:
    شعراء العصر أعلام الحجى
    قُطب الإشعاع في الشرق السعيد
     
    عفوكم لا أدعي مرتبة
    بينكم، أو عصمة الرأي السديد
     
    غير أني عشت عمري في الشذا
    فعرفت الفرق ما بين الورود
     
    يا مُقلّدي القرود الغربية!:
    وبعد هذه المقدمة توضحت فلسفته الفنية الخاصة وهي مبنية على احترام الإنسان، فالشعر الحق إنما هو تسخير للقدرات الإنسانية لإفادة البشر وفيه يصل الشاعر إلى قرارة نفوس الناس فيبذر فيها الحق والخير والجمال مُحَلِّقًا بين جناحين قويين هما: قوة العقل وقوة الشعور. وهذا هو الفن الخالد - في رأيه – الذي ينبغي تقليده دون حذر، أما أولئك الذين يزعقون كالقرود - على حد تعبيره – فليس في تقليدهم للغربيين أي تجديد في الأسلوب العربي:
    ما أفاد الناس إلا راجعا
    من أعاليه إلى سطح الوجود
     
    بجناح ضَمَّّ أحلام النهى
    وجناح لمّ آلام الكبود
     
    ذاك فَنٌّ أزلي ما استحى
    بقديمٍ أو تَبَرَّا من جديد
     
    قُلْ لِمَنْ يَأْنَفْ من تقليده
    أَمِنَ التَّجديد تقليدُ القُرُودِ؟
     
    6- كاد الموت يُسكت شيطانَه:
    وتكاد الأبيات التي وجهها جورج صيدح إلى صديقه الحميم الأديب "حسان الكاتب"  تمثل المرحلة الأخيرة التي استوى عليها فنه الشعوري وهي قصيدة قلّ أن نعثر على مثيل لها في الأدب العربي من حيث نضج الفكرة وصدق المعاناة الوجدانية الداخلية وإبداع الصور المعنوية البعيدة عن إطار الحس الظاهر، وفيها يخاطب الأديب العربي "حسان الكاتب".
    يا كاتب الخير إني قارئٌ عانٍ
    أوشكتُ أقرأُ وجهَ العالم الثاني
     
    تراجع الموت عني بعد غَارَتِه
    كأنه لم يشأ إسكات شيطاني
     
    أو أنه احترم البيت العتيق فما
    أوهى دعائمه إلا بميزان
     
    أو أنه كان بي مستمهلا أجلي
    للنيل من حرمتي من بعد جسماني
     
    أصبحت أفتقد الأشجان أنشدها
    منذ اختبرتك معنيا بأشجاني
     
    لم تنسني حين صرف الدهر حجبني
    بل انتشلت من النسيان ديواني
     
    (حسان) مدح رسول الله شَرَّفَه
    والآن شَرَّفَنِي مدحي لـ(حسان)
     
    وتجب الإشارة إلى أن التفاؤل كان يفوح في كثير من قصائد الجزء الثاني من ديوانه "حكاية مغترب مع أسرته" 1973، وأن النغمة الشاكية تمثلت في الجزء الأول حكاية مغترب مع بني قومه 1972.
    ثانيا: زكي قنصل  [ 1919-] الرومانسية في أزياء الوقار.
    1- عناقٌ مع فرسان الأدب القديم:
    عانق زكي قنصل في الغربة فرسان التاريخ كلهم بدء من "امرؤ القيس" و"المتنبي" وانتهاء بـ"حافظ إبراهيم" و"شوقي" يتدفأ بوهج مدارسهم، ويُشعل نورهم ونارهم...فيمتلك الحضور..في أرض الوطن. ولا يضيع في العاصفة والريح. غاظه الشعر الهجين المقطوع عن جزالة الفصحى...فسماه هجينا تارة، ودعاه تارة أخرى، وخاطب "حنية ضاهر" شاعرة لأرز قائلا:
    جئت أشكو إليك شعرا هجينا
    ولدته هجينة هذاره
     
    ينتقي اللفظة السقيمة ثوبا
    ويُغذي قُرَّاءَه بالحجارة
     
    يا بُغَاَث القريض أحرجتمونا لم نَثُر لو فهمتهم بالإشارة
     
    وحمل على الشعر الرمزي الغامض. ووصفه بأن المنجمين لا يستطيعون حل رموزه وألغازه. ومَجَّد شعر"شوقي" وخَصَّه بقصيدة "في كعبة الشعر" جاورت مئة بيت. ولا تعني محاربة الرمزية الإبقاء على التحجر والجمود في قوالب مكررة. وديوانه الأخير "عطش وجوع" ويُمثل آخر ما انتهى إليه، وفيه تجديد في مضمون الشعر ونبرة ترى القلب مصدر الإلهام وتجعل الخيال طائفا بالفراش والحمائم والغدران، يُشارك الطبيعة أفراحها وأتراحها. وقد تبين مذهبه هذا في خطابه للشاعر "أحمد سليمان الأحد 1948".
    أنا في حالتي قلب يغني
    وخيال يسامر الأحلاما
     
    2- تصوير رومانسي:
    ويبدو التعبير الرومانسي في "ربا الخلد" التي وصفت رحيله إلى "أمريكا الجنوبية" وفيها تسمع تهاوي المُهج زلزلة الآمال وظمأ الفؤاد وحماقات الصبا في ربا الخلد. ومن خصائص الرومانسية أن "يُصبح الأديب طفلا أعني أن يصل قلبه إلى نظافة قلوب الأطفال وبراءة مقاصدهم". ومن هنا عاد بالخيال إلى أيام الطفولة فانتزع منها صورا شتى تمثل اليوم أعذب الذكريات.
    ويا وجدي إلى عهد كَسَتْهُ
    حماقات الصِّبا أزهى حلاها
     
    زمان أطير من غابٍ لغابٍ
    واستَبِقُ الفراش إلى جناها
     
    وأحشَدُ من صغار الحي جَيْشًا
    يَعْفِرُ تحت سلطاني الجباها
     
    على خيلٍ من القُضبَان دَهَمٌ
    زكت أَصْلاً وإن جَهِلَتْ أباها
     
    أغيرُ بهم على الكِرَام
    وتقتحم الفَلَاةَ على ظِبَاهَا
     
    ونكمن للطيور على الروابي
    وتقتنص الأفاعي في كواها
     
    ونبني من ركام الثلج بيتا
    إذا الشمس مسَّتْه تَوَاهَا
     
    حياة لا يعكرها اضطراب
    ولا يبدو عبوس في فضاها
     
    مضت كالحلم لم يقتر حتى
    طوته اليقظة الشؤمى وراها
     
    ويعود الجمال الفني الذي امتازت به هذه القصيدة إلى صدق المعاناة الشعورية والانسجام مع الطبيعة ومشاركتها مشاركة وجدانية صادقة.
    3- ظاهرة الحزن:
    تبقى سمة من سمات الرومانسية لم تشر إليها في شعره وهي ظاهرة الحزن، وما سببها البعد عن الأهل والإقامة في ديار الغربة. فالحزن هنا عميق يصل إلى درجة يلومه  الناس عليه فلا يجد بدا من الاستجارة بالله.
    يقول لي الصحاب كفاك تهذي
    فقد أشبعتنا آها وواها
     
    أحن إلى حِمَايَ وأشتهيه
    ومن يهجر رُبا الخُلد اشتهاها
     
    الهي ليس لي إلاَّ ك ملجأ
    إذا غفرت خطوب الدهر فاها
     
    حَرَمْتَنِي التَّمَتُّعَ من بلادي
    فلا تَحْرِم رُفَاتِي مِنْ ثُرَاهَا
     
    ولهذا أقام صداقات كثيرة مع الأدباء في الوطن الأم، يُرسل أليهم جمرات الحنين وأحاديث الشوق فيجيبونه بكلمات رقيقة تخفف عنه حدة الألم، ومن أبرز أصدقائه الأديب "يوسف عبد الأحد".


    الفصل الثالث: شعراء المهجر الشمالي والشعر الرومانسي وجبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص.


     الـمبحث الأول: شعراء المهجر الشمالي.
     الـمبحث الثاني: الشعر الرومانسي.
     الـمبحث الثالث: جبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص.

    الـمبحث الأول: شعراء المهجر الشمالي:
    أولا: ميخائيل نعيمة  [ 1889-1988] مع الإنسان والطبيعة والوجود:
    ظهرت بوادر ثورة "نعيمة" على الجمود والتقليد في نقد رواية "الأجنحة المتكسرة" ...وكان هذا النقد سبيل تعرُّفه إلى "جبران" ثم تكررت في "الغربال" 1923 وهو مجموعة مقالات نقدية تُعدُّ من أهم الكتب التي أرست دعائم التجديد في الشعر العربي الحديث. أما أعماله الشعرية الإبداعية فقد حملت الجانب التطبيقي لهذه الدعوة. وتمثل قصيدته "النهر المتجمد" الأصباغ الرومانسية التي لونت شِعره منذ تفتحات الشباب. وفيها يبدو حنانه على الطبيعة، فقد تحدث إلى النهر طالبا إليه أن يبوح بسر انقطاع خريره وانثنائه عن متابعة المسير، وعمق سنته المبكية...وفي هذه النجوى النفسية الصادقة المتجهة نحو الطبيعة يقترب "نُعيمة" من "المدرسة الرومانسية الغربية" أيما اقتراب، انه يجسد النهر أو يشخصه ثم يطلب إليه أن يثور على الجمود بعد أن رأى أن قلبه متجمد أيضا، وفي هذه القصيدة رسم صورا شعرية إبداعية لشجر الصفصاف  الذي تُزعجه الرياح الباردة، فيجثو كئيبا، لأنها تمعن في تجميد النهر، أما الحور فقد وقف على رأس النهر...يندب ويبكي، ويرمي بأغصانه. هذا الرثاء الهادئ الجميل لم تحظ الطبيعة العربية بمثله في عصور أدبنا القديم، وقد فازت به الطبيعة المتمثلة بالنهر المتجمد. وبهذا النفس الشعري التجديدي صاغ "نعيمة" ديوانه "همس الجفون" عام 1934 والذي ضمنه شعره العادي المنثور ليكون نموذجا للعمل التجديدي الذي مثلت آفاقه تطلعات "الغربال" عام 1923 النقدية.
    1-  غناء آلام الإنسانية:
    كانت دراسات نعيمة الحقوقية واطلاعاته الواسعة في الآداب الغربية...وتجاربه لشخصية تُحيي في نفسه نوازع الألم الإنساني عندما يرى مناظر البؤس والشقاء. فقد كتب قصيدة "أخي" العامرة بالعاطفة السامية نحو البشرية وندّد بالصراع الإنساني من أجل خرق بالية يسمونها "الأعلام" - عل حد تعبيره – ونجده يرثي الموتى الذين قضوا في سبيل رفعة باطل على باطل أثناء الحرب العالمية الأولى.
    2-  رهيف أصوات الطبيعة ووحدة الوجود:
    ولدى نعيمة ولع كبير بالطبيعة، وشعوره رهيف بأضوائها وأصواتها وحركاتها؛ لأنها تفتح حواسه جميعا على لحن الوجود على جلال مبدع الكون العظيم..فيرى أسماءه الحسنى المقدسة، وهيمنته – تعال – وعزته وقدرته من خلال رؤية مخلوقاته. فكل ما في الطبيعة يذكر بالله الرحمن الرحيم، وفي قصيدته "ابتهالات" يبتهل إلى الله طالبا إليه أن يفتح قلبه على إبداعات الطبيعة، لأنها محض جمال بالخالق – عز وجل شانه -.
    وهنا تبغي الإشارة إلى ظهور هذا الاتجاه في "وحدة الوجود" : الله والطبيعة والروح الإنسانية، عند أدباء الرابطة بعامة ونعيمة بخاصة. وقد منحته هذه النظرية كثيرا من أسباب الصفاء. ولذلك نجده يُمجد الحق والصدق والخير والعدل ويستعيذ من البطل الذي يذبح الحق.
    وبهذا النفس الشعري  كتب ديوانه الأخير "نجوى الغروب" عام 1973 كله مناجاة للخالق المبدع مما يدل على أن [ هؤلاء المهاجرين أدباء كبار ضربوا بسهم وافر في الاطلاع على التراث العربي القديم زيادة على معرفتهم بالمدارس الأدبية الغربية الحديثة]، فهذه الأبيات في "نظرية وحدة الوجود" تذكرنا بالشاعر الصوفي المتبدل "ابن الفارض" الذي يرى جمال محبوبه الحقيقي المطلق  – جل الله – من خلال آثاره في الكون فالقدرة الإلهية حاضرة مهيمنة على كل شيء على الخمائل والأصائل والغمائم والأزهار والنسائم وحتى العطور...وهذا هو إيمانه بالغيب. ثم إن شرح "ديوان ابن الفارض" قد طبعه "رشيد الدحداح" وكان شائقا متداولا في أيامهم.
    ثانيا:  رشيد أيوب  [ 1871- 1941] الشاعر الباكي:
    1- الإفلات من الحمى الجبرانية:
    قبل أن يتأثر "رشيد أيوب" بـ"الحمى الجبرانية" أفلت من قريحته الشعرية الأيوبيات ولكن أعماله التالية تبرز خصائصه الرومانسية بوضوح، وعُصارة شعره تتلخص في ثلاث كلمات : "جب وألم وخمر".
    2-  بكاء القلب:
    فهو كثير التشبيب والشكوى والنواح  - على حد تعبير جبران – كثير الحنين إلى عهد الشباب والحب. يكثر عنده الألم النفسي والحيرة والانطواء على الذات. ونراه يتخذ من الشعر آنية لصب آهاته ودموعه التي يغترفها من قلبه. والحنين في شعره ولا يرافقه إلا الألم الكبير...لقد انصرف إلى الشعر الباكي الكئيب. ووقَّع على أوتاره أحاسيسه وأوجاعه الخاصة...فاصطبغ بالصبغة المتألمة المنطوية. وعبر عن هذا المعنى في قصائد كثيرة مثل: "فراشتي" و"النسر" و"غروب شمس الحياة" وشعره يُحدّثنا عن عمره الكئيب بالركض وراء الآمال دون جدوى.

    3-  اتجاهه الرومانسي متجاوب مع ميوله الذاتية:
    ولقد استراح إلى دعوة "جبران" القائمة على اتجاه مثالي رومانطيقي وتأثر بها، ووافقت هوى عنده، لأنها كشفت عن حقيقته الرومانطيقية التي تلبست في مرحلة "الأيوبيات" بالثورة من أجل الحرية. ولم يكن "رشيد" يومئذ صبيا أو شابا، بل كانت السنون قد أرهقته فوجد في الاتجاه الرومانطيقي الخالص تجاوبا مع ميله الذاتي المتحمس على ذهاب الشباب. فركن إلى أحلامه ونجومه وسمائه، وأصبح الوطن لا يمثل الحقائق الأساسية والصراع من أجل الحرية، وإنما يمثل الحب والحنين والغاب وعهود الطفولة والموقد والثلج. ويمكن أن نفرق بين إخفاقه المتتالي المادي وهذا الاتجاه كما يحب أن لا نغفل حقيقة كبرى ألمحنا إليها قبل أسطر، وهي أن بذور الرومانطيقية كانت موجودة في نفس "رشيد" قبل مواجهته لكل هذه المؤثرات. وكان من أبرزه مظاهرها في "الأيوبيات" تلك الدموع التي ذرفها على الشباب، فلشبابه في نفسه صورة رومانطيقية خالصة حين كان يقضي أيامه في التأمل.
    والصور الرومانطيقية حاضرة بكل قوتها في شعره، فصورة الليل والنجوم تستغرق العزلة والحيرة والضياع والهرب والمناجاة والاستذكار والحنين، والليل يجمع هذه الأمور كلها في ذاته. وبين الشاعر والليل حب قوي، يُلح عليه سائلا ألا ينجلي؛ لأن ظلامه رشد ونور والنجمة فيه ربة شعر: "نجمتي".
    وتمثل قصيدته "لعل غدي" نزعته الواضحة إلى تمجيد الألم، وهو بذلك يمثل أحاسيس المهاجرين جميعا. وشعره ممعن في الذاتية والوجدانية فيه أنغام من الأسى وأنّات من الشكوى الصاعدة من أعماق  قلب حزين. حتى أنهم أطلقوا عليه لقب الشاعر الباكي. ولكن "ميخائيل نعيمة" أنصفه حين قال: "أن تكون في شكواه مرارة الفشل، ففيهما كذلك حلاوة الأمل، وأن تكن في دمعته حرقة الأسى ففيهما كذلك برودة التأسي" وبهذا المعنى تُصبح شكاة "رشيد" إدراكا لسر الحياة لا مناحة على الحياة.
    4-  حنينٌ محموم:
    وظل الوطن واحة يفر إليها من عالم مثقل بالهموم؛ لأنه يرتبط بذكريات الطفولة والأم والأهل. وحينما يرى الثلج، تتمثل له طفولته في بيت أهله القابع على الجبل ترعاه أمه في ليلة ماثلة.
    ويبدو الحنين الرومانسي في مناجاة الوطن الأم في قصيدة بلادي.
    وعندما يحس بأن آماله الكبرى لن تتحقق...يُوَدِّع دنياه، معتقدا أنه سيمضي إلى حياة أخرى، يُبدّل فيها غصنه الذاوي...ولكنه يأسى للرياض الغنَّاء، والطيور المغردة التي اعتادت سماع شدوه وألحانه، فيطلب إلى ابنته أن تُفَلْسِفَ للطبيعة أسرار الهجرة الأدبية..التي يفك الموت فيها أغلال النفس لتلحق بآمالها وتدركها.
    ثالثا: نسيب عريضة  [ 1887-1946] وأرواحه الحائرة:
    1-  غريق في لجة الأحزان والحيرة:
    نسيب عريضة شاعر الحيرة والقلق، آماله بعيدة بعيدة، وقلبه كبير كبير، أمطرته الأيام بالنوائب، وفُجع بأخيه وأخته فأصبح كالغريق في لجة الأحزان، وغرق بعد ذلك في حيرة، لم يستطع شاعر مهجري أن يجسدها.
    حيرة كبرى وَسَم بها ديوانه "الأرواح الحائرة" فلم يكتب له الموت أن يراه. وحيرته كونية تشمل الزمان والمكان، وتملأ السموات والأرض بشكوى نفس آلامها أن تجهل ماهيتها ومصيرها وأن تعجز عن الانطلاق إلى نور المعرفة كاشفة الأسرار.
    قضى تسعا وخمسين سنة من العمر في صراع بين الروح والجسد، كفاح بين الشك واليقين وظل كذلك حتى خير أمر نفسه، وبقي هائما بالجمال والحب والمعرفة والأشواق إلى العالم الروحي البعيد، فما روى غلة ولا أشبع نهما.
    2-  يأس من الشعب:
    حتى أنه ليستسلم إلى اليأس من شعبه الذي أغضى على الذل والهوان؛ يبدو ذلك في قصيدته التي صنعتها روحه الملتهبة والتي حطمت التفاعيل الرتيبة، وانطلقت كالقذائف تقع هنا وهناك، فترعب أو تحرق. وذلك حين يقف مندّدا بشعبه الذي صبر على الجوع والهوان – أيام الحرب الأولى – دون أن يبدي حركة أو مقاومة.
    3-  حِمص في رؤيا خالدة:
    وتمثل قصيدته "أم الحجار السود" صور الإبداع الرومانسي الحالم وفيها نرى وقفة فؤاد أمام مدينة "حمص"...ظامئا إلى معرفة أسرارها، أما هذه الديار فإنها تذوب هياما بأبنائها المهاجرين. ويراها في وقتها على درب التاريخ...ترعى الذمم بجبروت عنيد. وتشرق من سواد حجارتها هدى المعرفة المنقذة. وإزاء هذا التحليق الحالم يستوقف قلبه فجأة ليُخاطبه. وله صور حية لوقفة المدينة الصامدة "حمص" منذ فجر التاريخ.
    وفي قصيدة "أم الحجار السود" يحن نسيب إلى مدينته التي تركها. فإذا هو بالرغم من المسافات الشاسعة، مقيد بتراب الوطن. يتمنى أن يعود إليه، ولو في طيات الكفن. أن جميع ما رآه من مشاهد العمران والحضارة بنيويورك وما عايشه من ألوان الحياة الجديدة، لم يستطع أن ينسيه "الميماس" و"الدوير" وذكريات الطفولة الحلوة.
    رابعا: إيليا أبو ماضي  [ 1900-1957] بين جداوله وخمائله:
    1-  الطبيعة عزاء الإنسانية:
    الينابيع الأولى التي غدت شعر أبي ماضي تتراءى في الطبيعة والإنسان: "فالطبيعة ألهمته فنون القول، وقضية الإنسان حمّلت عواطفه هموما لا تُحصى من الطبيعة استعار جمال وِديانها وضحك غدرانها وسِحر رياضها"، وللإنسان فرشَ الدروب بالرياحين وزيّن الرياض بالألوان.
    لقد انطوى في موكب من ضياء متحدا مع الطبيعة مروجها...وجبالها...وبحارها...ونجومها...وظلامها قانعا بثروة لأماني. حاملا للإنسان الدعوة إلى التفاؤل. فداوى آلامه وواسى بجنائنها متاعبه، ومتع بشهب أفلاكها فؤاده. فحفظ الناس قصيدته "ابتسم".
    وهو يرى الأمل في السراب الخادع، ويستشعر اللذة في العذاب الأليم، ويستشرف الحسن ولو تحت النقاب.
    2-  النفس المحطمة:
    على أن اليأس والتشاؤم، وما يصيب الرومانسيين عادة من الكآبة والشك والحيرة انتقل إليه على نحو مثير للدهشة ففي شعره ما يشير إلى أنه كان يشهد في نفسه صراعا وعراكا، ويراها مماثلة شيطانا وأحيانا ملاكا يُصاب بالهبوط والتحطم، فيرثي نفسه، ويصدق تحطمها أمام أحاسيس الشوق والشكوى، وتصف "الكمنجة المحطمة" الإحباط الذي مُنِيَ به فقد جعلها "المعادل الموضوعي" للأنفس المحطمة، التي نسجت عليها خيوط الغناء.
    وما "الكمنجة المحطمة" إلا صورة النفس الإنسانية المحطمة الكامنة في الصدر.
    3-  صراع القلب والعقل:
    وهذا التناقض بين التشاؤم والأمل دعا "عبد اللطيف شرارة" إلى القول: "بأن الشاعر كان يُثبت في حالة ما كان ينفيه في حالة". ولكننا نعزوه إلى صراعات العقل والقلب التي عبرت عنها قصيدة "بين مد وجزر" وفيها يحكي لصديقه الشاعر "جورج صيدح" قصة صراع العقل والقلب وما انتهى إليه من انتصار للقلب.
    4-  غنائية عذبة:
    وفي شعره موسيقى متموجة. ولقد لفتت هذه الغنائية العذبة نظر د. طه حسين فقال عنها: أنها" نغمة صافية عذبة، معينة على إظهارها في شعره من قوة وروعة وجمال ليس إلى الشك منها من سبيل". وتبدو هذه الغنائية في أكثر قصائده قضايا اجتماعية، وحاول معالجة القضايا الاجتماعية، فجاءت نظرته مثالية رومانسية فهو ينظر بعاطفته، ويفكر بخياله ومزج بين الطبيعة والأحاسيس البشرية، فيدخل في حسابنا أشباحها وأشواكها وشهبها وشمسها. وتمثل قصيدة "الفقير" لونا من ألوان معالجة مشكلة الفقر بالطريقة الرومانسية.
    5-  إبداع صوفي وعبادة رومانسية:
    حتى المسائل الدينية لا تخلو من نظرات رومانسية. فتعرفه إلى الخالق لا يكون إلا من خلال الطبيعة، التي خرجت إلى الوجود بقوى إبداعية. جمعت الذرات لآلئ جوهرية، وأبرقت من شموس مشتعلة وميضا برّاقا هادئا.
    ويرى أن الشريعة الإلهية مبثوثة في فلسفة الحب ليغتني الإنسان بسحرها العَطِر.
    6-  فلسطين الآلام:
    وفي مواقفه القومية لا يتخلى عن الروح الرومانسية فتراه يمزج أحاسيسه الوطنية مع عناصر الطبيعة ويعتصر من ذلك مادة الحديث. ففلسطين ديار السلام، وأرضها أرض الهناء، ومحنتها محنة للمعالي. والقلوب الملتاعة عليها تخربها السيوف. ودروب المنى مسدودة على أهلها.
    لقد ترك أبو ماضي دنيا الأدب بعد أن قاوم هدير الحديد في مدن الحديد، وشق سحائب دخانها بمواكب من شعره الندي، فواسى الإنسان في آلامه، وجعل الدنيا له ربيعا فاهتزت لأغانيه النجوم، ورقصت على توقيعاتها أزهار الرُّبا وحمائم الأرواح.
    "إنه شمعة الأرز الذي أشعلته الحياة نورا حادا فولج فخّ الحياة وشرايينها المبثوثة في حدس الفن".











                                                الـمبحث الثاني: الشعر الرومانسي:
    والشعر المهجري في البوح والبث والذكرى والحنين والشعور بالغربة في الأرض، والشوق المحموم المبهم، والثورة والتحسس بالطبيعة، وفي الموضوعات الذاتية التي عالجها كلها...شعر رومنطيقي خالص النزعة. وهو شعر رومنطيقي باختياره النعوت البراقة الصارخة التي تعبر عن خوالج النفس بشكل محسوس، وبتقصي النغم المتوافق باللفظة التي تتجسد صورة ملموسة، فإنها أهملت طاقاتها الإيحائية المشعة تلك التي قام عليها مجد المدرسة الرمزية فيما بعد.
    والشاعر المهجري يهمس... يهمس عاليا، فيجعل الحياة كلها جميلة غناء، يُرسل تحت أفيائها الوارفة، وهو في غلواء النشوة ترانيم رقيقة يتجاوب صداها في جنبات النفوس ذات الحساسية الشديدة.
    ولمدرسة المهجر يدٌ تُذكر في تحريك الأدب العربي نحو الرقي، فهؤلاء تذوقوا الأدب الغربي وأشربوا الروح الرومانتيكية، فلما التفتوا إلى الحركة الأدبية في الشرق هالهم أن يكون الأدب مقيد الخطى. فرفعوا لواء الثورة وهاجموا المحافظين هجوما عنيفا. وهاك على سبيل التمثيل شيئا من أقوال "جبران" و"نعيمة"، قال الأول على طريقته الشعرية أو الخطابية من مقال: "لكم لغتكم ولي لغتي " "لكم منها القواميس والمعجمات والمطولات، ولي منها ما غربلته الأذن وحفظته الذاكرة...لكم من لغتكم البديع والبيان والمنطق ولي من لغتي نظرة في عين المغلوب ودمعة في جفن المشتاق وابتسامة على ثغر المؤمن، وإشارة في يد السموح الحكيم...لكم منها القلائد الفضية ولي منها قطر الندى ورجع الصدى وتلاعب النسيم بأوراق الحور الصفصاف" ويعتقد "سامي الكيالي" أن الجو الحر الذي عاشه أولئك المهاجرون هو الذي مهد لهم أن يرسموا تأملاتهم بروح ثائرة وأخيلة مجنحة.

    أغراض رومانسية:
    وقد وصف المهاجرون لوعة الهجرة، ووجد الشوق، الأحاسيس الإنسانية التي يُحِسُّها المفكر الحر، ووفوا الكون والحياة بما في أسرارها من قوى زاخرة، وصفوا طبيعة الإنسان الحائر الذي حاول التفلسف، وصفوا الجمال في روائع الطبيعة. فكانت نزعاتهم التجديدية بدء الانطلاق إلى فهم رسالة الأدب على حقيقتها. وقف عند هذه الروائع التي كتبها "جبران" و"الريحاني" و"نعيمة" و"الحداد" و"عرضة" و"أبو ماضي" وغيرهم ممن ضمتهم "الرابطة القلمية" تجد المعاني الإنسانية السامية.
    لقد كان لهذه الأغراض الشعرية الجديدة تأثيرات واضحة في البنية الفنية للشعراء الشبان الذين عاصروا الأدب المهجري، ويمكن القول أن "أبا ماضي" أكثر المهاجرين تأثيرا، وكذا "جبران خليل جبران" فقد تأثر بـ"أبي ماضي" كثير من الشبان، وذاع شعره في العالم العربي، بما فيه من عمق الصلة بين الفن والحياة...وغنائية عذبة...تبدأ بالهمس في مواطن الهمس، والحرق في مواقف الحنين وارتفاع النبض وجهارة الصوت في لحظات التوهج والانطلاق ، أما "جبران" فكان أكثر إثارة للنقاد بسبب من طبيعة تفكيره الثائر. وقد اخترت الحديث عنه في آخر مبحث من فصول المبحث.






    الـمبحث الثالث: جبران خليل جبران – نموذجا – مع استنباط أهم الخصائص:
    جبران خليل جبران [ 1883-1931]:
    1-  حياته وآثاره:
    ثمانية وأربعون عاما أولها في بْشَرِّي – لبنان – وآخرها في نيويورك من الولايات المتحدة الأمريكية من عام 1883 إلى 1931 تلك هي الفسحة التي أتاحتها الأقدار لجبران ليقول فيها كلمته. وجبران الذي كان يؤمن أوثق الإيمان بالتقمص ما كان يحسب ولادته في شمال لبنان مصادفة عمياء. بل كان يعتقدها نتيجة لازمة لحياة سابقة. ففي تلك البقعة الغنية بمفاتنها الطبيعية وذكرياتها الدينية ثروة من الجمال الذي لم يكن بد لعين جبران من أن تكتحل به ولروحه من أن تستحم في بهائه. وقد اغترف جبران من تلك الثروة في صباه قبل أن يهجر لبنان إلى بوسطن سنة 1948، ثم في شبابه يوم عاد ليدرس في مدرسة الحكمة البيروتية بين 1896 و1901 واغترف ما يكفيه مؤونة العمر. ثم راح ينثر بقلمه وبريشته ما اغترفه من ذلك الجمال، وينثره بلباقة الفنان الأمين لفنه وسخاء الشاعر المثقل بالشعور. فأنت تشتم طيوب لبنان، وتستشعر سِحر أعاليه وأغواره، وتحس جماله وجلاله في كل ما تقرأه لمؤلف "النبي".
    من بواكير قلم جبران مقال في "الموسيقى" أصدره عام 1905 في نيويورك في شكل كُتَيِّب؛ فكان الحلقة الأولى في سلسلة مؤلفاته. وأنت تطالع "الموسيقى" يستوقفك فيها أول ما يستوقفك نمط في الكتابة يتميز بسهولة التعبير، وحلاوة التلوين، ولطافة الوقع، وصدق النية، وسلامة الذوق وعمق الإحساس والنزعة إلى الإبداع في الوصف والتشبيه.
    ويمضي عام وبعض العام فيطلع جبران على العالم العربي بكُتَيِّب أكبر حجما وأبعد مدى من الموسيقى وقد أسماه "عرائس المروج" وضمنه قصصا ثلاثا: "رماد الأجيال والنار الخالدة" و"مرتا البانية" و"يوحنا المجنون".
    وكان من الطبيعي بجبران المفطور على الصدق والرفق واللين، المؤمن بكرامة الإنسان وألوهية عنصره أن يصطدم في بدء تفتحه الفني والروحي اصطداما عنيفا مؤلما بخشونة الواقع ورياء الحياة البشرية المكبلة بالتقاليد وفي عام 1908 صدر لجبران في نيويورك كتاب "الأرواح المتمردة" وقد نشرته، كما شرت سالفه، جريدة "المهاجر" لصاحبها "أمين الغريب"، وفي صدره المقدمة التالية: "إلى الروح التي عانقت روحي، إلى القلب الذي سكب أسراره في قلبي. إلى اليد التي أوقدت شعلة عواطفي أرفع هذا الكتاب".
    بين عرائس المروج وبين "الأرواح المتمردة" فسحة جد قصيرة من حيث الزمان ولكن بينهما وان تشابهت المواضيع والمرامي بونا شاسعا من حيث المعالجة والأداء. فالديباجة أكثر إشراقا تتلمع في ثناياها جواهر من التشابيه والاستعارات المبتكرة، واللغة أمتن سبكا وأرحب صدرا، والحجة أقوى حبكا وأبعد أثرا، والفكر أصفى ينبوعا وأسرع جريا، والجرس ألطف وقعا وأشجى لحنا. لقد كان جبران الشاعر وجبران الرسام وجبران المفكر في سباق مع الزمن.
    وكتاب "الأرواح المتمردة" – كما يدل عنوانه – يحدث عن أرواح تمردت على التقاليد والشرائع القاسية التي تحدُّ من حرية الفكر والقلب والتي تسمح لحفنة من الآدميين أن تتحكم في أرزاق الناس وعواطفهم وأعناقهم باسم القانون وباسم الدين.
    أَحَبَّ جبران موطنه الصغير حبا يقارب الهيام. ففي جبال لبنان التي لا نظير لها بين الجبال تفتحت عبقريته. ومن ألوان أغساقها الحالمة وأسحارها ولذلك كانت كل بواكيره من وحي لبنان فمن "الموسيقى" إلى "عرائس المروج" إلى "الأرواح المتمردة" إلى "الأجنحة المتكسرة" يمضي جبران يعرض عليك صورا لبنانية، ووجوها لبنانية و أصواتا لبنانية. ثم ينصرف عن موطنه الأصغر إلى موطنه الأكبر – إلى العالم – ولكنه يعود بك بين الحين والحين إلى لبنان.
    في "الأجنحة المتكسرة" التي صدرت في نيويورك من بعد "الأرواح المتمردة" بأربع سنوات يروي جبران رواية حبه الأول يوم كان ما يزال طالبا في بيروت، ويرويها بأسلوب شعري ووجداني مشبع بروح التقديس للحب وكل ما يبعثه في النفس من غبطة سماوية وآلام لا تطاق.
    فهنا كذلك قلبان متحابان تحول دون اتحادهما التقاليد الاجتماعية وسلطة رجل من رجال الدين بين 1903 و1908 أخذ جبران ينشر في جريدة "المهاجر" مقالات من الشعر المنثور تحت عنوان "دمعة وابتسامة"، وهذه المقالات هي التي جمعت عام 1914 ونشرت في كتاب بعين العنوان. وكان الفضل في نشرها لــ"نسيب عريضة".
    يضم الكتاب بين دفتيه نحوا من ستين مقطوعة ينثر فيها جبران نتفا فياضا من فلبه، وشرارات وَهَّاجة من فكره، وألوانا مَوَّاجة من خياله.
    وننتقل إلى قصيدة "المواكب" التي أصدرها جبران عام 1919 على نفقته الخاصة في حلة أنيقة و زَيَّنها بطائفة من الرسوم البديعية. فهي تمثل ناحية جديدة من بيان جبران المتعدد النواحي.
    ثار جبران في بدء حياته الأدبية على الظلم الذي تجسَّد له أول ما تجسد في جور التقاليد والحكام وغطرسة رجال الدين في لبنان. وانتهت ثورته تلك برواية "الأجنحة المتكسرة" وعقبتها فترة قصيرة من التصوف والاستسلام ما لبث أن أفسدَها عليه نيتشه بثورته الجامحة المعاصرة. فقد كان كتاب "هكذا تكلَّم زرادشت" في نظر جبران "من أعظم ما عرفته العصور".
    وأنت ترى آثار هذه الثورة الجديدة، وقد قاربت نهايتها، في ما يقوله الصوت الأول في المواكب ثم جمعها وغيرها من المقالات.
    وأصدرها في كتاب سمّاه "العواصف" ونشرته إدارة "الهلال" في مصر عام 1920 وأبرز تلك المقالات وأشدها عنفا "حفار القبور" تساندها، ولا تجاريها في العنف، مقالات أخرى أهمها "العبودية" و"يا بني أمي" و"نحن وأنتم" و"أبناء الآلهة وأحفاد القرود" و"الأضراس الـمُسَوَّسَة" و"العاصفة".
    كانت العواصف آخر كتاب عربي أصدره جبران. أما "البدائع والطرائف" التي نشرتها مكتبة العرب في مصر عام 1923 فلم تكن غير مجموعة اختارها صاحب المطبعة من كتابات جبران ولم يكن له رأي في اختيارها أو في تسميتها. وجلها مأخوذ من "دمعة وابتسامة" ومن "العواصف" وغيرها من مؤلفات جبران العربية والانجليزية مع القليل من المقالات التي لم يسبق نشرها في كتاب وأهمها "وعظتني نفسي" و"لكم لبنانكم ولي لبناني" و"مستقبل اللغة العربية" و"إرم ذات العماد".
    بعد ذلك فتح جبران فتحا جديدا ورائعا في دنيا الأدب العربي عندما تحول عن التأليف بالعربية إلى التأليف بالانجليزية، لم يلبث أن لمع اسمه في الولايات المتحدة الأمريكية أولا؛ ثم في بريطانيا وباقي البلدان الناطقة بالانجليزية؛ ثم في غيرها من أقطار الأرض. إذ أن كتابه "النبي" الذي بلغ فيه الذروة من حيث العمق في التفكير والجمال في التعبير قد تُرجم إلى عشرين لغة أو أكثر وقد زاد عدد النسخ المطبوعة منه في الولايات المتحدة على المليون.
    أما المؤلفات التي اشتملت عليها هذه المجموعة مرتبة بحسب تاريخ صدروها:



    - المجنون 1918.
    - السابق 1920.
    - النبي 1923.
    - رمل وزبد 1926.
    - يسوع ابن الإنسان 1928.
    - آلهة الأرض 1936.
    - التائه 1932.
    - حديقة النبي 1933.

    والكتابان الأخيران صدرا بعد وفاة جبران. قد يكون من الإنصاف لجبران أن نقول كلمة في "حديقة النبي"؛ فالمعروف لدينا مما كتبه الأستاذ ميخائيل نعيمة في هذا الصدد أن جبران من بعد صدور النبي راح يفكر في كتابين لاحقين له يؤلفان معه ثلاثية: النبي و حديقة النبي و موت النبي. و لكن المنية أدركته ولم يكتمل له من مواد الحديقة لا بضع صفحات. ويبدو أن الناشرين أضافوا إلى هذه الصفحات بعض الفصول التي كان قد سبق لجبران أن كتبها ونشرها بالعربية.
    2-  جبران خليل جبران في مواكبه:
    أ- الفجر البهي:
    لاح جبران فكان فجرا بهيا لنهار جميل...وكانت النفحة الجبرانية قد لفحت الجباه، وأضرمت النفوس، وبهرت العيون، وأعظمت شأن الرسالة التي لا بد من تأديتها لو بشق النفس، ريشته المصورة كريشته المعبرة..تحلقان في سماء بعيدة من الخيال مجتمعتين، كما اجتمعا للشاعر والفنان الانجليزي "وليام بليك" [ 1757-1827].
    لقد التقى في جبران الفن الجميل والشعر الجميل – و إن كان مُقِلا في شعره الموزون المقفى- وتألق هذا التلاقي في قصيدته "المواكب" التي زينت مقطوعاتها بلوحات ففنية، تدل على عبقرية الفكر والفن.
    كتب باللغتين العربية والانجليزية، فراح شعره ونثره، حتى في اللغة الانجليزية...وستظل حركة الحملة على القديم، وحركة التحرر من قيود الأساليب والأوزان مقترنة باسم جبران على مدى الآباد، فقد كان الروح التي تصل بين عمال "الرابطة القلمية" وأنصارها ولهذا اختاروه عميدا.
    ب- جبران رومانسي لا عرض إلا ذاته:
    ورومانسيته أكثر من رمزيته، تتحول عنده الفكرة الفلسفية إلى عاطفة جياشة يحسها ويعاني أفراحها وآلامها ويعبر عنها بحرارة. ولا هَمَّ له إلا أن يعرض ذاته بسخاء...لقد طفح في داخله كيْلُ الوجود..حتى لم يبق له من شاغل إلا محتويات نفسه وتمددت نفسه إلى درجة لم يعد يرى مهما سوى أصواتها، ولا يسير إلا مع أشواقها ومطامحها...تتعدد أبطاله ولا بطل الاه ... فهو الشخص ونقيضه والصوت وصداه والعلة والدواء هو الباكي المنتحب والمهلل الفرح، والرجال والنساء في قصصه ورواياته. وهو الجنية الساحرة والملك السجين وحَفَّار القبور والشاعر البعلبكي. وهو يوسف فخري في العاصفة والبنفسجة الطموح. وهو السفينة في الضباب، وهو نجيب رحمة وزين العابدين النهودي وآمنة العلوية في ارم ذات العماد.
    والخاصة الأخرى التي تقرب جبران من الرومانسيين الغربيين تلك الكآبة الشائعة في آثاره. وهي ناشئة من نظرته إلى الوجود، ومن تبرمه بعجزه عن تعميم نظرته، وإشفاقه على من لم يتوصلوا إلى ما توصل إليه من معرفة. وتتمثل نظرته المثالية إلى الوجود في الغاب حيث لا نفاق ولا اختلاف ولا عقائد ولا تقاليد ولا طبقات ولا أطماع وإنما أخوة وعدل وحب وجمال وسعادة.
    ج-  الطبيعة والغاب وجبران:
    ونظرته إلى الطبيعة تتجاوز أفق المشاهدات إلى كنه الأشياء، وتأتي مناجاته لها على أساس أنها حي يحس ويشعر ويفكر، ويحنو ويعطف، ويبهر ويخلب. "الغاب" هو الملاذ الوحيد في عالك كثير الزحام والجدل والضجيج...هو تلك الطبيعة التي كان يقدسها ورزدورث وكولوردج وبليك وروسو وثورو. وما الغاب عند جبران وعند الرومانطقيين عامة الثورة على ما حدث في المدينة من تشويش وغش وخداع. ولكن عودة المدينة إلى سابق حالها أمر يكاد يكون مستحيلا. ومن هنا تغنى في آخر المواكب بالسواقي والصخور والاستحمام بالعطر والتنشق بالنور، وتغزل بالدوالي والعشب والانطلاق.
    د- عناق الروح والطبيعة:
    وفي شعره تتوثب العاطفة مع الأحلام لتتحد مع الطبيعة في عناق طويل..فهو والليل والبدر والكرم والبلبل والحقول والنجوم في صحبة دائمة. وللبحر من نفسه منزلة رفيعة قد تفوق في بعض الأحيان منزلة الغاب ونجد في "المواكب" لقاء الروح والطبيعة في عناق حميم:
    أعطني الناي وغنّ   
                فالغنا يرعى العقول
    وأنين الناي أبقى   
                من مـجيد وذلـيل
    ليس في الغابات حزن 
                لا ولا  فيها الـهموم
    فإذا هب نسيم         
                لم تجئ معه السموم
    هذا الهروب إلى الطبيعة إنما حدث بدافع من دوافع الظلم الإنساني الذي تشهده البشرية في عصر المدينة والعلم.


    هـ- عصر محموم:
    يحدثنا شعر جبران عن معاناته في وديان العمر. حيث شهد بين أضلاعها خيالات الهموم، وأسراب اليأس وشرب من مياهها أشربة السقم المسمومة...ثم تردى بين لهيب الصبر، ووسائد الأشواك.
    و- الروح معبد الجمال:
    وليست الروح عنده إلا وعاء للمثل أو تمثالا لعبدة الحق، ومحرابا للجمال...والبحث عن المثل والجمال والحق في أقطار الدنيا عبث جنوني لأنها تقبع في الأفئدة المختلجة بنشوة النور...إنها البلاد المحبوبة حقا غطاها الإنسان برماده وأسواره العالية.
    وتبدو غربته الروحية في قصيدة "البلاد المحجوبة"؛ إذ عافت هذه الروح الشاعرة الائتلاف مع قلوب عتيقة بحسب مفهومه الخاص. هذا هو جبران الذي اغترب روحيا ومكانيا، فعالق الطبيعة، ودار حول ذاته، فلم يحن سوى حمى الألم. فعاف الدنيا وحار في العيش حتى قضى عليه مرض القلب.

    الخاتمة:

    وأهم ما ورد في هذا البحث من نقاط أستخلصها فيما يلي:
    أدب المهجر ظاهرة فذة، لأنه أدب ثوري وفكري ومعظمه ظهر خلال الربع الأول من هذا القرن.
    الخاصة التي انفردت بها "العصبة الأندلسية" هي فرط المحافظة وفرط التجديد في وقت واحد.
    كان أسلوب شعراء المهجر الجنوبي في معظمه رومانسيا تدل عليه عناوين دواوينهم الشعرية.
    من أهم مميزات الشعر المهجري الجنوبي: التجديد والتقليد، ظاهر الحزن وحكايات الألم والحنين الرومانسي إلى الأوطان والوطنية الصادقة، الحرب على التجديد..الخ.
    من أهم خصائص الشعر المهجري الشمالي التغني بالطبيعة والوجود وآلام الإنسانية وبكاء القلب. والاتجاه الرومانسي المتجاوب مع الميول الذاتية والحنين المحموم، الغرق في الأحزان والحيرة واليأس من الشعب.
    من خصائص "الرابطة القلمية" ذلك الصراع بين العقل والقلب وتلك الغنائية العذبة في الشعر والإبداع الصوفي والعبادة والرومانسية والاهتمام بالقضية الفلسطينية.
    الشعر المهجري رومانطيقي خاص النزعة.
    لِمَدرسة المهجر يَدٌ تُذكر في تحريك الأدب العربي.
    لقد كان للأغراض الشعرية الرومانسية الجديدة تأثيرات واضحة في البنية الفنية للشعراء المعارين للأدب المهجري.
    من الأسماء اللامعة المهجرية والمتألقة في كل من "العصبة الأندلسية" و"الرابطة الأدبية" نذكر: "جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، رشيد أيوب، نسيب عريضه، إيليا أب ماضي، جورج صيدح، زكي قنصل...الخ.

    مقدمة.
    تـمهيد.

    الفصل الأول: الأدب المهجري (عصبة أندلسية ورابطة قلمية أدبية).
    الـمبحث الأول: الأدب الـمهجري.
    الـمبحث الثاني: العصبة الأندلسية.
    الـمبحث الثالث: الرابطة الأدبية (القلمية).

    الفصل الثاني: شعراء المهجر الجنوبي: عطاء لوجه تاريخ الآداب وعناوين رومانسية ونماذج الإبداع والتجديد مع استنباط أهم الخصائص.
    الـمبحث الأول: شعراء المهجر الجنوبي: عطاء لوجه تاريخ الآداب.
    الـمبحث الثاني: عناوين رومانسية.
    الـمبحث الثالث: نماذج الإبداع والتجديد  (جورج صيدح وزكي قنصل) مع استنباط أهم الخصائص.

    الفصل الثالث: شعراء المهجر الشمالي والشعر الرومانسي وجبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص.
    الـمبحث الأول: شعراء المهجر الشمالي.
    الـمبحث الثاني: الشعر الرومانسي.
    الـمبحث الثالث: جبران خليل جبران نموذجا مع استنباط أهم الخصائص.

    خاتـمة.
    قائمة الـمصادر والـمراجع.

     

    شارك الموضوع مع أصدقائك على :



    المشاركة السابقة


        

     
     

         محرك البحث

     
     

         شاعر وقصيدة

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     رأي في الحرب

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     رأي في الغياب

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     صلاة في محرابها

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     رمت شالها ومشت

    الكاتب: ساره سعد

     مٌتهشمه

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     رأي في الحب

    الكاتب: عبيد نصرالدين

     تَتَلَاشَى أَصْدَاؤُهُمْ

    الكاتب: عبد الغني موعكيس

     أَفِـيـقُوا

    الكاتب: كامل بلال

     أهواك حد الجنون

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     دمشق

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     ساعة للفرح

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     مقهى على زاوية الحطام

    الكاتب: طالب جانال

     سأقطع دابر جيناتي

    الكاتب: حسام سلمان بركي

     موجة أخرى

    الكاتب: حسام سلمان بركي

      على حافة

     
     

         الشعر الشعبي

    الكاتب: بحليل محمد

     قطاع الشباب بخير....

    الكاتب: خضير مغشوش -شاعر وكاتب جزائري-

     غوايات الشطط في عشق القطط

    الكاتب: فطيمة العنود

     شفيني يا زمان

     
     

         القائمة البريدية

     
     

         أقسام الموقع

  • مقالات وآراء سياسية
  • الأدب الأمازيغي
  • آداب أجنبية
  • إصدارات
  • آراء حرة
  • بطاقات أدبية
  • نثريات
  • أخبار
  • ضيف وقضية
  • قضايا أدبية
  • إسلاميات
  • فنون
  • دراسات
  • القصة
  • الشعر
  • مقالات
  • الأدب الساخر
  • نصوص ساخرة
  •  
     

         كتاب وقصص

    الكاتب: فضيلة معيرش

     الأظرفة

    الكاتب: عبد الغفور مغوار

     دمعات لا كالدمعات

    الكاتب: رعد حيدر علي محمد الريمي

     حملة

    الكاتب: حمزة الأبرش

     قصة قصير

    الكاتب: فضيلة معيرش

     قصة قصيرة : صور الموت فضيلة معيرش

    الكاتب: اسيا حريشة

     وهل يرقص الاعرج؟

    الكاتب: رقية شاوش

     السّاعة الدّائريّة.. و خلود زيد !

    الكاتب: حشاني رابح

     لمة حريم القرية

    الكاتب: معيرش فضيلة

     قصة : ورم مؤقت

    الكاتب: نزار سرطاوي

     لا للوصاية على الشعر